لويس شيخون وآخرين
5
مقالات فلسفية لمشاهير فلاسفة العرب ( المسلمين والنصارى )
( أهل الانسان ) ثم ليعلم ان كل انسان من ملك وسوقة يحتاج إلى قوت تقوم به حياته ويبقي شخصه ثم يحتاج إلى إعداد فضل قوته لما يستأنف من وقت حاجته وانه ليس سبيل الانسان في اقتناء الأقوات سبيل سائر الحيوان الذي ينبعث في طلب الرعي والماء عند هيجان الجوع وحدوث العطش وينصرف عنهما بعد الشبع والريّ غير معبئ بما أفضله ولا حافظ لما احتازه ولا عالم بعود حاجته اليهما بل يحتاج الانسان إلى مكان يخزن فيه ما يقتنيه ويحرسه لوقت حاجته فكان هذا سبب الحاجة إلى اتخاذ المساكن والمنازل . فلمّا اتخذ المنزل واحرز القنية احتاج إلى حفظها فيه ممّن يريدها ومنعها عمّن يرومها . فلو انه أقام على القنية حافظا لها راصدا لطلابها اذن أفناها قبل ان يزيد فيها . فإذا ( v 64 ) اقتنى ثانية عادت حاجته إلى حفظها فلا يزال ذلك دأبه حتى يصير في مثل حيز البهيمة التي تسعى إلى مرعاها مع حدوث حاجتها . فاحتاج عند ذلك إلى استخلاف غيره على حفظ قنيته فلم يصلح لخلافته في ذلك الّا من تسكن نفسه اليه ولم تسكن نفسه الّا إلى الزوج التي جعلها اللّه تعالى ذكره للرجل سكنا وكان ذلك سبب اتخاذ الأهل ولما يغشى الأهل بالامر الذي جعله اللّه سببا لحدوث الذرّية وعلّة البقاء والنسل حدث الولد وكثر العدد وزادت الحاجة إلى الأقوات وإعداد فضلاتها لأوقات الحاجة احتاج عند ذلك إلى الأعوان والقوّام وإلى الكفاة والخدّام فإذا به صار راعيا وصار من تحت يده له رعيّة فهذه أمور قد استوى في الحاجة إليها الملك والسوقة والراعي والمرعي والسائس والمسوس والخادم والمخدوم لان كل انسان محتاج في دنياه إلى قوت يمسك روحه ويقيم جسده وإلى منزل يحرز فيه ذات يده ويأوي اليه إذا انصرف عن سعيه وإلى زوج تحفظ عليه منزله وتحرز له كسبه وإلى ولد يسعى له عند عجزه ويمونه « 1 » في حال كبر ويصل نسله ويحيي ذكره من بعده وإلى قوّام وكفاة يعينونه ويحملون ثقله وإذا اجتمع هؤلاء كان راعيا ومسيما وكانوا له رعايا وسوّاما . وكما أن المسيم يلزمه ان يرتاد مصالح سائمته من الكلاء والماء نهارا ومن الحظائر والزراب ليلا وان يذكي عيونه في كلائها
--> ( 1 ) يقوم بكفايته